الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
63
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مورد البحث لتدعو الناس إلى العمل للحصول على موقع في الدار الآخرة ، ذلك الموقع المتسم بالثبات والبقاء والخلود ، وتدعوهم إلى السباق في هذا المجال وبذل الجهد فيه ، حيث يقول سبحانه : سابقوا إلى مغفرة من ربكم ، جنة عرضها عرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله . وفي الحقيقة أن مغفرة الله هي مفتاح الجنة ، تلك الجنة التي عرضها السماوات والأرض وقد أعدت من الآن لضيافة المؤمنين ، حتى لا يقول أحد إن الجنة نسيئة ودين ولا أمل في النسيئة ، فعلى فرض أنها نسيئة فإنها أقوى من كل نقد ، لأنها ضمن وعد الله القادر على كل شئ وأصدق من كل وعد ، فكيف الحال وهي موجودة الآن وبصورة نقد ؟ ! وقد ورد نفس هذا المعنى في سورة آل عمران ( الآية رقم 133 ) مع اختلاف بسيط ، حيث إن في الآية مورد البحث جاءت كلمة ( سابقوا ) من مادة ( المسابقة ) وهنالك وردت كلمة ( سارعوا ) من مادة ( المسارعة ) ، وكلاهما قريب من الآخر بالنظر إلى مفهوم باب " المفاعلة " حيث تتجسد غلبة شخصين أحدهما على الآخر . والاختلاف الآخر هو أنها هنالك قد جاءت بوصف : عرضها السماوات والأرض وهنا جاءت : عرضها كعرض السماء والأرض وإذا دققنا قليلا يتضح أن هذين التعبيرين يوضحان حقيقة واحدة أيضا . ويقول سبحانه هناك : أعدت للمتقين وهنا يقول : أعدت للذين آمنوا . ولأن المتقين ثمرة شجرة الإيمان الحقيقي ، فإن هذين التعبيرين في الواقع كل منها لازم وملزوم للآخر . وبهذه الصورة فإن الاثنين يتحدثان عن حقيقة واحدة ببيانين مختلفين ، ولهذا فما ذكره البعض من أن الآية ( سورة آل عمران تشير إلى " جنة المقربين " ، وآية مورد البحث تشير إلى " جنة المؤمنين " ، صحيح حسب الظاهر .